الخميس، 26 مايو 2011

اسباب التغير الدلالي

التغييرات تحدث في اللغة دائما لأنها نظام للتواصل بين الناس مرتبطة بأحوالهم وظروفهم الاجتماعية والثقافية والعقلية، وهذه الأحوال والظروف لا تسير على وتيرة واحدة. ومتى توفرت الأسباب حدث التغيير حسب طرق وأصناف معينة. لذا يجب التفريق بين أسباب التغير الدلالي وطرق التغير الدلالي. فالأسباب هي الظروف المهيئة للتغير بينما الطرق هي الوسائل والخطوط التي يسلكها التغير. وقد ميز العلماء عددا من أسباب التغير الدلالي: [1]

(أ) الأسباب التاريخية: وهي أسباب ناتجة عن تغير المجتمع أو الأشياء أو تغير النظرة إليها، ويمكن تمييز عدد من الأسباب التاريخية:
(1) تغير الشيء وبقاء اللفظ: فالشيء قد يتغير شكله أو وظيفته ولكن اسمه يبقى فيظهر اختلاف بين الشيء الأول الذي وضع له الاسم والشيء في الوقت الحاضر، ومن أمثلة ذلك:
الخاتَم، فهو لفظ مأخوذ من الجذر (ختم) الذي يعنى "طبع" ومنه الخِتام وهو الطِّينُ الذي يُخْتَم به علـى الكتاب، وسميت الحلقة التي تُلبس في الإصبع خاتما لأنه يطبع بها على الكتاب، ثم اتخذت حلية وزينة ولم يعد لها علاقة بالختم.
الدبابة، الدَّبابةُ: آلةٌ تُتَّـخَذُ من جُلودٍ وخَشَبٍ، يدخـلُ فـيها الرجالُ، ويُقَرِّبُونها من الـحِصْنِ الـمُـحاصَر لـيَنْقُبُوه، وتَقِـيَهُم ما يُرْمَوْنَ به من فوقهم. وفي الوقت الحاضر تغير شكل هذه الآلة وتطورت وأصبحت تُصنع من الفولاذ وتسير على جنازير وزُوّدت بمختلف الأسلحة النارية، ولم تعد وظيفتها تقريب الجنود من الحصون وإنما نراها تشارك في المعارك البرية.
الزند، خشبتان يستقدح بهما، ثم تغير الزند وأصبح يؤخذ من حجر الصوان والمرو، ثم بعد ذلك أصبح آلة قادحة تستخدم الكيروسين أو الغاز في انتاج النار.
البندق، قوس توضع بها كرات صغيرة يرمى بها، والآن تطلق الكلمة على سلاح ناري طاقة الدفع فيه البارود.
(2) تغير موقفنا من الشيء: إذا كان المعنى هو ما نملكه من أفكار وتصورات عن المشار إليه، فمتى تغيرت هذه الأفكار والمواقف تبعها تغير المعنى، من ذلك مثلا:
الخمر: كانت في الجاهلية رمزا للكرم والضيافة يتفاخر الناس باقتنائها ودفع المال لشراء دنانها ، والشعراء يصفون آنيتها ولون شرابها ، ولما جاء الإسلام حرم تعاطيها وأصبحت أم الخبائث، ومن شربها لحقه العار ووصف بالفسق وأصبح من الفجّار.
الثأر: كان أمر الثأر كبيرا لا يهنأ صاحبه حتى يستوفيه، ولكن بعد نشوء الحكومات ووجود القضاء لفض الخلافات والنزاعات، أوكل أمر الجناة والقتلة إلى سلطات قضائية ومؤسسات مدنية تتكفل بالقصاص واستيفاء الحقوق.
الميسر: وهو القمار، كان حلالا في الجاهلية وبعد أن حرمه الإسلام تغير موقف الناس منه ومن ثمّ تغير معناه، وكذلك الربا والقمار والأنصاب والأزلام.
(3) تغير معرفتنا بالشيء: ما نملكه من معرفة عن الشيء يسهم في بلورة معناه في أذهاننا، ومتى تطورت هذه المعرفة تبعها تطور وتغير في معنى الشيء، ومن أمثلة ذلك:
الذَّرّة: كان القدماء يظنون أنها أصغر جزء للمادة، لذلك يطلق عليها اليونان لفظ atom أي الجزء الذي لا يتجزأ، ولكن علم الفيزياء الحديث كشف أن هناك أجزاء أصغر من الذرة هي الإلكترونات والبروتونات والنيوترونات.
الشمس: كان القدماء يظنون أنها اعظم جرم مضيء في الكون، وبعضهم كان يعبدها ظانا أنها إله؛ لذا كان يسمونها الإلهة، ولكن علم الفلك الحديث طور معرفتنا بالشمس وبيّن أنها نجم بجانب نجوم أخرى تفوقها عظما في كون واسع.
القمر: كان هناك من يعتقد أنه إله، وكان قوم سبأ يعبدونه ويسجدون له. وعلم الفلك الحديث يبيّن لنا أنه ما هو إلا كويكب صغير يدور حول الأرض وسطحه خال من الشجر والماء والحياة.

(ب) الأسباب الاجتماعية والثقافية: المجتمعات الإنساية دائما في حالة تطور وتغير بسبب الاحتكاك بشعوب أخرى عن طريق الغزو العسكري أو الثقافي، وكذلك بسبب ما يجد من ثقافات وأفكار وما ينتشر من أديان ومذاهب وفلسفات، وقد تعرضت مفردات العربية إلى تغييرات كثيرة وواسعة بسبب مجيء الإسلام بدين جديد وثقافة دينية ودنيوية تختلف عما عرفوه في الجاهلية، يقول ابن فارس:
مما جاء به الإسلام - ذكر المؤمن والمسلم والكافر والمنافق. والعرب إنَّما عرفت المؤمن من الأمان والإيمان وهو التصديق. ثُمَّ زادت الشريعة شرائطَ وأوصافاً بِهَا سُمِيَ المؤمن بالإطلاق مؤمناً. وكذلك الإسلام والمسلم، إنّما عَرَفت منه إسلامَ الشيء ثُمَّ جاء فِي الشَّرع من أوصافه مَا جاء. وكذلك كَانَتْ لا تعرف من الكُفر إِلاَّ الغِطاء والسِّتْر. فأما المنافق فاسمٌ جاء بِهِ الإسلام لقوم أَبْطنوا غير مَا أظهروه، وَكَانَ الأصل من نافقاء اليَرْبوع. وَلَمْ يعرفوا فِي الفِسْق إِلاَّ قولهم: "فَسَقَتِ الرُّطبة" إذَا خرجت من قِشرها، وجاء الشرع بأن الفِسق الأفحاش فِي الخروج عن طاعة الله جلّ ثناؤه. ومما جاء فِي الشرع الصلاة وأصله فِي لغتهم: الدُّعاء، وكذلك الصيام أصله عندهم الإمساكُ، ثم زادت الشريعة النِّية، وحَظَرَت الأكلَ والمُباشَرَة وغير ذَلِكَ، وكذلك الحَجُّ، لَمْ يكن عندهم فِيهِ غير القصد. [2]
(ج) الحاجة إلى التسمية: اللغة وسيلة للتواصل قائمة على استخدام علامات لاستحضار الأشياء والأفكار. ومتى جد شيء احتاج إلى علامة تفصح عنه وتشير إليه. واللغة بها شيء من المحافظة؛ لذا قلما نجد لفظا وضع وضعا من غير سابق، والأكثر أن نجد اللفظ مشتقا من جذر يدور حول معان تشارك الشيء المراد تسميته في معناه، أو نجده مستعارا من معنى آخر يشبهه في وجه من الوجوه ومن أمثلة تغير دلالات الألفاظ بسبب النقل من معنى إلى آخر:
اصطلاحات العلوم والفنون:
رفع، نصب، جر، جزْم، تنازُع، اشتغال (نحو)
معتل، صحيح، سالم (صرف)
بيت، عمود، خبْن، وتد، سبب (عروض)
نافذة، ملف، مجلد، فأرة (حاسوب)
أسماء بعض أعضاء البدن:
ضفدع: عظم في جوف الحافر من الفرس.
الذباب "إنسان العين."
العصفور: "أصل منبت الناصية" و"عظم ناتئ في الجبين."
الحِدأة: "طائر من الجوارح،" والحِدأة من الفرس والإنسان: "أصل الأذن"، وقيل: الحدأة من الفرس "سالفة عنقه."
أجزاء الآلاات: أجزاء القوس.
رِجل: الجزء الأسفل من القوس.
يد: الجزء الأعلى من القوس.
كبِد: وسط القوس.
ظُفر: طرف السية.
(د) كثرة استعمال الكلمة: هناك كلمات يكثر استخدامها في مجالات كثيرة مما يؤدي إلى تغير معناها عن طريق التخصيص، مثل:
جذر: أصل النبات تحت الأرض.
جذر: الحروف الأصول في الكلمة.
جذر: رقم رياضي.
ومثل:
زراعة (نبات)
زراعة (طب)
زراعة (مختبر وبكتيريا)
ومثل:
عملية (عسكرية)
عملية (طب)
عملية (حساب)
عملية (اقتصاد)

(هـ) أسباب عقلية: من أسباب التغير الدلالي وجود علاقة بين شيء وآخر مما يؤدي إلى نقل اللفظ من شيء إلى آخر وقد تكون تلك العلاقة المشابهة أو غيرها.
علاقة المشابهة: تؤدي إلى استعارة لفظ من شيء إلى آخر، ومن أمثلتها:
عين: عضو الإيصار> بئر، قرص الشمس، ثقب الباب، السيد، الذهب.
فم: الثغر، فتحة القربة، فتحة القارورة.
رجل: رِجل القوس: سِيَتُها السفْلى، ورِجْلا السَّهم: حَرْفاه، ورِجْلُ البحر: خليجه.
عنق: عُنُق الدهر أَي قديم الدهر، وعُنُق الصيف والشتاء: أَوّلهما، وعُنُق الجبل: ما أَشرف منه، والأَعْناق: الرؤساء، وعُنُقٌ من النار: قطعة تخرج منها.
علاقات غير المشابهة: وهي ما يطلق عليها علاقات المجاز المرسل، مثل:
الجزئية: عين > جاسوس؛ رقبة > مملوك.
الحاليّة: حمة العقرب: سمها > إبرتها (محل)
الآلية: لسان > لغة.
المجاورة: خرطوم (أنف) > فم؛ خشم > فم.


(و) أسباب نفسية: ومن مظاهرها:
التفاؤل والتطير: وهو استخدام اللفظ الجميل للمعنى القبيح:
سليم: لم يصبه سوء > ملدوغ.
يسرى: اليد التي يسهل العمل بها > اليد الشمال، العسرى.
حُباب: محبوب > حية تدعى الشيطان.
بصير: قوي البصَر > الأعشى، ولذا كُني الشاعر المعروف الأعشى بأبي بصير.
كريمة: مكرمة > العين العوراء.
العافية: الصحة والسلامة > النار.
الخوف من العين: قد يؤدي الخوف من الإصابة بالعين إلى تسمية الشيء الجميل باسم قبيح، مثل: شوهاء: القبيحة > المرأة الجميلة.
المبالغة: قد يشعر الإنسان في بعض الأحوال أن الألفاظ العادية لا تفي بالتعبير عن انفعالاته فيعمد إلى استعمال الألفاظ الدالة على الخوف والرعب للتعبير عن جمال الأشياء، من ذلك:
رائع: جميل، مشتق من الروع وهو الخوف.
هولة: المرأة الجميلة، أُخذت من الهوْل وهو الخوف. وفي اللهجة المصرية يستخدم لفظ هايل بمعنى ممتاز.
رهيب: مخيف، تستعمل الن بمعنى جميل، ممتاز.
فظيع: شنيع، ويستخدم في الحاضر أحيانا بمعنى ممتاز.

المورفيم الصفري

إطلالة على أنواع المورفيمات
يعرّف فندريس المورفيم في كتابه اللغة على أنه أحد القيم الصرفية التي تعبر عن النسب التي يقيمها العقل بين دوال الماهية ، و يعرف أيضا على أنه أصغر وحدة صرفية في بنية الوحدة اللغوية . و قد ظهرت فكرة المورفيم في النظرية اللغوية الحديثة لكي تحل محل الكلمة ، التي بنى عليها الققواعديون أصول نظريتهم في النحو و الصرف . اختلفت تصورات علماء اللغة للمورفيم ، و تباينت وجهات نظرهم في أقسامه و قيمه الدلالية ، ووظائفه النحوية و الصرفية ، لكنهم و إن تباينوا في النواحي الشكلية ، إلا أنهم متفقون على أنه الأساس في التركيب البنائي للوحدة اللغوية .
يقسم المورفيم في اللغة العربية إلى أقسام ثلاثة هي :
الأول :المورفيم الحر
و هو عبارة عن وحدة صرفية مستقلة أو تركيب ، و يطلق عليها بعض اللغويين المحدثين ( الوحدات الصرفية التتابعية ) ، و هذه الوحدات تتمثل في اللغة العربية على النحو التالي : - الضمائر المنفصلة : ( أنا ، أنت ، أنت ، نحن ، أنتما ، أنتم ، أنتن ، هو ، هي ، هما ، هم ، هن ) .- حروف الجر : ( من ، إلى ، عن ، في ، ............. ) . - أفعال الشروع : و هي الأفعال التي يدل معناها على بدء الدخول في الشيء ، و التلبيس به و مباشرته ، و أشهر هذه الأفعال ( شرع ، انشأ ، طفق ، أخذ ، علق ، هب ، قام ، هلهل ) ، و هذه الأفعال هي أفعال ماضية تدل على الشروع ، ماضية في الظاهر و لكن زمنها الحال .
ثانيا : المورفيم المقيدة
هو كل وحدة صرفية متصلة بالكلمة ، أو هو ما ارتبط مع المورفيم الحر ، و هذه الوحدة تتمثل في اللغة العربية كما يلي : - أل التعريف - ألف الإثنين - واو الجماعة - أحرف المضارعة ( النون ، الهمزة ، التاء ، الياء) .- العلامات الفرعية للإعراب ( الواو ، الالف ، الياء ) . مثال على ذلك : كلمة ( المسلمون ) : ال التعريف ( مورفيم مقيد ) ، مسلم ( مورفيم حر ) ، ون ( مورفيم مقيد ) .كلمة ( يعملان ) : الياء ( مورفيم مقيد ) ، عمل ( مورفيم حر ) ، لان ( مورفيم مقيد ) .
ثالثا : المورفيم الصفري
هو المورفيم الذي لا وجود له في الرسم الكتابي و إنما هو الصورة الموضوعة في الذهن ، و يتمثل هذا المورفيم في ما يلي : - الضمائر المستترة - الصيغ في المشتقات - الاسناد في الجملة و يرى علماء اللغة إلى هذه المورفيمات تتوزع بين إضفاء قيمة توزيعية أو تحديدية أو تصنيفية أو توزيعية ، و على هذا يكون المورفيم في هذه الأنواع الثلاثة إما عنصرا صوتيا أو مقطعا أو عدة مقاطع و أحيانا يأتي المورفيم فونيما واحدا ، و بناءا على ما سبق فإن البنية التركيبية تتكون مما يلي :فونيمات ← مقاطع ← مورفيمات ← تراكيب
نحلل المثال التالي حتى نلاحظ حركة المورفيم في البنية التركيبية للعبارة التالية :
تجلس المهندسة في القاعة
تجلس :
التاء : ( مورفيم مقيد ) ، ( مفرد ) ، ( مؤنث ) ، ( يدل على الفاعلية ) . جلس : ( مورفيم حر ) .الضمير المستتر الدال على الفاعلية و الاسناد التأنيثي : ( مورفيم صفري ) . المهندسة :
أل التعريف : ( مورفيم مقيد ) مهندسة : ( مورفيم حر دال على العدد و الجنس ) الصائت القصير : ( مورفيم مقيد يدل على الفاعلية ) في : ( مورفيم مقيد يدل على الظرفية ) ، ( مورفيم صفري ) يدل على البناء
القاعة :
أل التعريف : ( مورفيم مقيد ) قاعة : ( مورفيم حر ) الحركة الاعرابية الجر صائت الكسر ( مورفيم مقيد )

الأحد، 15 مايو 2011

نظريات علم اللغة ~





انقسم العلماء في نشأة اللغة ، أدّى هذا الانقسام إلى ظهور عدة نظريّات منها :



أولاً : التوقيف والإلهام
يرى أصحاب هذا القول أنّ أصل اللغة الإنسانية يرجع إلى الهام الهي (4) هبط على الإنسان فعلّمه النطق وأسماء الأشياء ، وهذا ما ذهب إليه فلاسفة اليونان هيروقليطس وأفلاطون في العصور القديمة ، وقال به أهل التوقيف من علماء المسلمين الذين احتجوا في قوله تعالى : " وعلّم آدم الأسماء كلّها ثم عرضها على الملائكة " [ البقرة 30 ] ، وقد فسّروا هذه الآية بقولهم : أن الله علّم آدم أسماء جميع المخلوقات بجميع اللغات ؛العربيّة و الفارسيّة و السريانيّة والعبرانيّة والروميّة وغيرها ،فتكلّم أبناء آدم هذه اللغات ، وبعد أن تفرّقوا في أرجاء الأرض نطق كل ّواحد منهم بلغة من هذه اللغات(5) . وهذا يعني أن أبناء آدم الذين تفرّقوا في أرجاء الأرض كانوا قد تعلّموا كل الكلمات، وهم يعرفون أسماء كل ما كان وسيكون في المستقبل ، دون وجود لهذه الأشياء في الواقع ، وهذا ضرب من المستحيل .
تصدّى لأهل التوقيف من قالوا بالاصطلاح فحاججوهم بآرائهم وقالوا : إن الألفاظ لا تدلّ بالضرورة على المسمّى ،كما أنّ تنوّع اللغات يشهد عدم وجود علاقة بين الاسم والمسمّى ولو ثبت ما قاله أهل التوقيف
لاهتدى كلّ إنسان إلى كل لغة ،ولما صحَّ وضع اللفظين للضدّين ؛كالجون للأبيض والأسود (6) .
من أبرز القائلين بالتوقيف من علماء المسلمين ابن فارس في كتابه الصاحبي ، أما من علماء اللغة في العصر الحديث ،الذين اعتقدوا في إلهامية اللغة ؛ الأب الفرنسي لامي والفيلسوف الفرنسي دو بونالد .



ثانياً : الاصطلاح والمواضعة
يرى أصحاب هذا أن اللغة استحدثت بالتواضع والاتفاق ، صاحب هذا الرأي الفيلسوف اليوناني ديموقريطس الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد ،وقد ذهب مذهبه كوندياك وآدم سمث وريد ، اتفق معه من علماء العرب القدماء أهل الاصطلاح فقالوا : كان يجتمع بعض الحكماء (7) فيحتاجون إلى الإبانة عن الأشياء المعلومة ،فيضعوا لكلِّ واحد سمة ولفظاً إذا ذُكر عُرف به ما سمّاه ليمتاز به عن غيره ،فكأنّهم جاءوا إلى واحد من بني آدم فأومأوا إليه وقالوا إنسان ..إنسان ، فأي وقت سُمع هذا اللفظ ،عُلم أن المراد به هذا الضرب من المخلوقات .
تصدّى لهم أهل التوقيف فقالوا :لو أن اللغة كانت اصطلاحاً لاحتاج المصطلحون إلى لغة يعبِّرون بها
ولابدَّ من التوقيف في أصل اللغة الواحدة لاستحالة وقوع الاصطلاح على أوّل اللغات من غير معرفة المصطلحين بعين ما اصطلحوا عليه .
بين أهل الاصطلاح وأهل التوقيف من علماء المسلمين ظهر فريق ثالث اتخذ موقف وسطا فقال : إن اللغة توقيفيّة ،وهي بعد ذلك اصطلاحيّة في كل ما يستجدُّ من حياة البشر ، حيث كانت اللغة الأُولى مكتملة (9) ولكنّها أقل عدداً في مخزون الألفاظ من لغات اليوم ،لأنها كانت تتكوّن من كلمات تمثّل جذور اللغات الحاليّة ،ولمّا احتاج الإنسان إلى مزيد من الكلمات لتسمية الموضوعات والمكتشفات والأحوال الجديدة انبثق من تلك الجذور ما احتاج إليه من الكلام .



ثالثا: التقليد والمحاكاة
قال بعض العلماء إن أصل اللغات هو أصوات مسموعة سمعها الإنسان الأوّل وأخذ بتقليدها ، كدوي الريح وحنين الرعد وخرير الماء ونقيق الضفدع ونباح الكلب . صاحب هذا الرأي هو العلم العربي ابن جنّي ( 17) الذي قال : وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبَّل . هذه الأصوات سارت في الرقِّي والتقدُّم شيئا فشيئا تبعاً لرقِّي وسمو العمليات العقليّة الإنسانيّة والتقدُّم الحضاري . وقد أيّد هذه النظريّة العالم اللغوي الأمريكي وتني ، ويرى الدكتور علي عبد الواحد (10) إن هذه النظرية الأقرب إلى المعقول وأكثرها اتفاقاً مع طبيعة



الأمور وسنن النشوء والارتقاء . ويقول في ذلك الدكتور إبراهيم أنيس (11) : " نمت قوّة السمع عند الإنسان قبل قوّة النّطق ، فسمع الأصوات الطبيعيّة حوله ولكنَّه لم يقلِّدها في هذه المرحلة لأن هذا يفترض له حينئذ قدرة عقليّة لم يستطع المحدثون أن يتصوَّروها للإنسان في هذه المرحلة " .
مع أن ابن جنِّي صاحب نظريّة الأصوات المسموعة إلا أنه لم يحسم الأمر في نشأة اللغة بشكل واضح ، فهو تارة يقول أن اللغة تواضع واصطلاح، وتارة أخرى يميل إلى التّوقيف (12) " فلا بدّ أن يكون وقع في أوَّل الأمر بعضها ثم احتيج فيما بعد إلى الزيادة عليه لحضور الداعي إليه فيزيد فيها شيئاً فشيئا ،إلا أنه على قياس ما كان سبق منها في حروفه وتأليف إعرابه ،وليس أحد من العرب الفصحاء إلا يقول : إنه يحكي كلام أبيه وسلفه يتوارثونه عن أوَّل وتابع عن مُتبّع ".
من الألفاظ الدالّة على الصوت ؛القهقهة والنحنحة والدندنة والشخير .ومن صوت الأشياء ؛القرقرة ، وهو صوت الآنية إذا خرج منها الماء ،والشَّخب ،وهو صوت اللبن عند حلبه .ومن الأصوات الدّالة على الأفعال ؛القطف والقضم والقطم والكسر .
يرى المعترضون على هذه النظرية أنها لا تشمل إلا قدر ضئيل من الكلمات التي لها علاقة في الصوت .
رابعاً : النظريّات الحديثة




لم يتوقّف البحث في أصل اللغة ونشأتها ، فظهرت في القرن التاسع عشر الميلاد نظريات جديدة منها:


1 ــ الغريزة الكلاميّة :
يرى أصحاب هذه النظرية أن أصل اللغة يرجع إلى غريزة خاصّة تحمل الإنسان على التعبير عن الانفعالات أو الأشياء بكلمة خاصّة وبصورة عفويّة . من أصحاب هذه النظريّة العالم الفرنسي فندريس والألماني مكس مولر والفرنسي رينان .
2 ــ يرى بعض العلماء أن اللغة بدأت بالشهقات أو التأوّهات (13) التي تصدر عن الإنسان في حالة الحزن أو الفرح أو الدهشة ،مستندين على نظريّة دارون التي تقول بتطوّر الكائنات الحيّة .بينما يرى المعترضون أن هذه الأصوات تتم بصورة فجائيّة بعيدة عن الكلام .
3 ــ ويرجِع بعضهم نشأة اللغة كانت من خلال عمل جماعي للأفراد أثناء قيامهم بعمل شاق تعاونوا على أدائه ،فهم يرون أن الإنسان يجد الراحة أثناء قيامه بعمل شاق إذا تنفّس أو تنهّد من الأعماق ،وربما تصدر عنهم أصوات أثناء العمل ترتبط بالعمل نفسه وتصبح فيما بعد دالّة عليه فينطقون بها كلّما تكرر هذا العمل .




4 ــ النظريّة الحديثة :
درس أصحاب هذه النظريّة مختلف النظريّات السابقة،فدوّنوا الملاحظات والخبرات والتجارب وأقاموا نظريّتهم الجديدة وقسّموها إلى ثلاثة أُسس هي؛ دراسة مراحل نمو اللغة عند الطفل ،ودراسة اللغة في الأُمم البدائيّة ودراسة تاريخيّة للتطوّر اللغوي .
نلاحظ أن النظريّات الثلاث الأوُلى تقوم على طريقة الاستنباط ،بينما تقوم النظرية الحديثة على الطريقة الاستقرائيّة .



خلاصة :
اختلف العلماء عبر العصور في تحديد نشأة اللغة وأصل الكلام ،مما أدى إلى ظهور عدة نظريات ،وما من نظريّة إلا ولها معترضون يحاججون الطرف الآخر بالحجة والبرهان ،ولعلّ هذا الاختلاف ناتج عن تأخر أول نظريّة تتحدّث عن في نشأة اللغة عند الإنسان الأول ،وما هذه النظريّات إلا اجتهادات تفتقر إلى الأدلّة الموضوعيّة ، ولذلك نقول للّذين يقولون بتواضع اللغة واصطلاحها في تسمية الأشياء دون أيِّ علاقة بين منطقيّة بين الشيء واسمه ،لابد من وجود لغة عندهم يستخدمونها ، فبأيّ لغة كانوا يتواضعون !؟
أما اللذين يقولون بالتوقيف والإلهام فنقول لهم : كيف يتعلّم الإنسان ألفاظاً ولا يتعرّف مدلولاتها !؟

وحتى نظريّة الأصوات المسموعة لم تنطبق على كلّ الألفاظ والمفردات .
لذلك لا بدّ من تداخل كل النظريّات التي تبحث في اللغة ونشأتها لنخرج بنظريّة واحدة ،لأن اللغة نتاج تفاعل الإنسان صاحب الفطنة والذكاء ، صاحب الغرائز والحاجات ، فلم ينفصل الإنسان عن الطبيعة ، فقد عرفها وتعامل معها في مأكله ومشربه وملبسه ،عاش فصول السنة وراقب الظواهر والتقلّبات الجويّة والطبيعيّة ، سمع الأصوات فحاكاها وهذه هي البداية ،ولأنّه كان يعيش ضمن الجماعة فلابدّ أن يكون هناك علاقات اجتماعيّة لا يمكن أن تتفاعل إلا بالتواصل من خلال الصوت أو الصراخ أو الإشارة للتعبير عن الحالات النفسيّة كالفرح والحزن والدهشة ،كما ذكر الدكتور إبراهيم أنيس. هذه العلاقة ساهمت في نموّ لغته عبر العصور وتناقلتها الأجيال بينها وأضافت ما يمكن إضافته من مدلولات صوتيّة ،ومع اشتداد الحاجة بدأ الإنسان صاحب الذّكاء يفكِّر باستخدام اللغة والعمل على توسُّعها .

/ لغة الكلام /








إن من أعظم النعم التي خص الله تعالى بها الإنسان وميزة على الحيوان هي قدرته على تعلم اللغة لغة الكلام 0 فاللغة هي أداة الإنسان الرئيسية في التفكير واكتساب المعرفة وتحصيل العلوم 0 فاللغة باعتبارها رموزا للمفاهيم ، قد مكنت الإنسان من تناول جميع المفاهيم في تفكيره بطريقة رمزية 00 مما ساعده على أن يحقق ما حققه من تقدم هائل في اكتساب المعرفة وتحصيل العلوم والصناعات المختلفة0

ومن فضل الله تعالى على الإنسان أن زوده باستعداد فطري للتعلم واكتساب المعرفة والعلوم والمهارات والصناعات بالإضافة إلى نعمة الإدراك الحسي والتفكير مما يزيد من قدرته على تحمل مسئولية الحياة على الأرض وعمارتها، ومما يمكنه من تنمية قدراته مما يكفل له بلوغ ما شاء الله تعالى له من الكمال الإنساني 0


ويكتسب الإنسان العلم أو المعرفة من مصدرين رئيسيين :-


(1)
مصدر الهي :

وهو العلم الذي يأتينا من الله سبحانه وتعالى مباشرة عن طريق الوحي أو الإلهام أو الرؤيا الصادقة 0

(2)
مصدر بشري :

وهو ذلك النوع من العلم الذي يتعلمه الإنسان من خبراته الشخصية في الحياة ومن مجهوده الخاص في الاستطلاع والملاحظة ومحاولة حل ما يجابهه من مشكلات عن طريق المحاولة والخطأ أو عن طريق التربية والتعلم من والديه ومن المؤسسات التعليمية أو عن طريق البحث العلمي .

وهذان النوعان من العلم متكاملان 000 ويرجعان أساسا إلى الله سبحانه وتعالى الذي خلق الإنسان وأمده بأجهزة وأدوات للإدراك واكتساب العلم 0

ولما كانت للغه - وهي الأداة الرئيسية في التفكير واكتساب المعرفة - هذا القدر العظيم من الأهمية في حياة الإنسان ، وفي تمكينه من التقدم المستمر في تعلمه وتفكيره ، فقد كان أول شيء علمه الله تعالى لآدم عليه السلام هو أسماء جميع الأشياء 0


" وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين * قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا انك أنت العليم الحكيم * قال يأدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم اقل لكم إنى أعلم غيب السماوات والأرض واعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون " (البقرة 31-22)

ومن ذلك نفهم من قوله تعالى " وعلم آدم الأسماء كلها " انه علمه اللغة التي يسمى بها الأشياء كلها 000 أي علمه الأسماء التي ترمز إلى مفاهيم 0

ويتعلم الإنسان في الحياة بطرق مختلفة000 فقد يتعلم من طريق التقليد ، فالطفل عادة يقلد والديه ويتعلم منهما كثيرا من العادات وأنماط السلوك ... ويتعلم الإنسان أيضا عن طريق التجربة العملية أو المحاولة والخطأ ،كثيرا من الحلول المفيدة لمشكلات حياته ومما ينفعه في أمور معاشه وقد يتعلم الإنسان أيضا عن طريق التفكير والاستدلال العقلي 0

فحينما يفكر الإنسان في حل مشكلة معينة فانه يقوم في الواقع بنوع من المحاولة والخطأ ذهنيا 000 فهو يستعرض في ذهنه الحلول المختلفة للمشكلة ، ويرفض الحلول الخاطئة أو غير الملائمة ، ثم يختار الحل الذي يراه ملائما وصحيحا0 فعن طريق التفكير يتعلم الإنسان حلولا جديدة لمشكلاته ، ويكتشف علاقات بين الأشياء والاحداث000 ويستنبط مبادئ ونظريات جديدة 0

والمناقشة والحوار واستشارة أهل الرأي من العوامل التي تساعد على توضيح التفكير، مما يؤدي إلى الاهتداء إلى الحق ، والوصول إلى حلول سليمة للمشكلات التي تبحث ... وقد حث القرآن على الشورى ، ونوه بفضل المؤمنين الذي يتشاورن في أمورهم بغية الوصول إلى الحق وتحقيق العدل في المجتمع 0 قال تعالى: "
وشاورهم في الأمر "

(ال عمران :159)

ولذلك فان المناقشة والحوار من العوامل الهامة في الفكر للوصول إلى الحلول السليمة للمشكلات 000 كذلك فإنها من العوامل الهامة في التعلم وصقل الفكر الانساني0

كما أن الحوار بين الناس يزيل الحدود بينهم ويمنع الجفاء ويخلق جو من الود والإتلاف ويقرب بين وجهات النظر0

وبدون الحوار والتفاهم يحدث نوع من أنواع الانعزال مما يخلق حالة من القلق والشك والريبة ،تنتهي بالبغضاء والكراهية التي تؤدي إلى الكثير من الأمراض النفسية0

ولذلك فإننى دائما ما افضل ان تكون الندوات والمحاضرات التي تلقي على الشباب عبارة عن ندوات حوار مفتوح بين المحاضر والمتلقي حتى يحصل التجاوب الانفعالي الذي يخلق جو من الألفة التي تؤدي إلى توصيل المعلومات بطريقة محببة للنفس وغير مباشرة بدلا من إلقاء المحاضرة عن طريق الوعظ والإرشاد الذي ينفر منه الشباب0