الأحد، 15 مايو 2011

نظريات علم اللغة ~





انقسم العلماء في نشأة اللغة ، أدّى هذا الانقسام إلى ظهور عدة نظريّات منها :



أولاً : التوقيف والإلهام
يرى أصحاب هذا القول أنّ أصل اللغة الإنسانية يرجع إلى الهام الهي (4) هبط على الإنسان فعلّمه النطق وأسماء الأشياء ، وهذا ما ذهب إليه فلاسفة اليونان هيروقليطس وأفلاطون في العصور القديمة ، وقال به أهل التوقيف من علماء المسلمين الذين احتجوا في قوله تعالى : " وعلّم آدم الأسماء كلّها ثم عرضها على الملائكة " [ البقرة 30 ] ، وقد فسّروا هذه الآية بقولهم : أن الله علّم آدم أسماء جميع المخلوقات بجميع اللغات ؛العربيّة و الفارسيّة و السريانيّة والعبرانيّة والروميّة وغيرها ،فتكلّم أبناء آدم هذه اللغات ، وبعد أن تفرّقوا في أرجاء الأرض نطق كل ّواحد منهم بلغة من هذه اللغات(5) . وهذا يعني أن أبناء آدم الذين تفرّقوا في أرجاء الأرض كانوا قد تعلّموا كل الكلمات، وهم يعرفون أسماء كل ما كان وسيكون في المستقبل ، دون وجود لهذه الأشياء في الواقع ، وهذا ضرب من المستحيل .
تصدّى لأهل التوقيف من قالوا بالاصطلاح فحاججوهم بآرائهم وقالوا : إن الألفاظ لا تدلّ بالضرورة على المسمّى ،كما أنّ تنوّع اللغات يشهد عدم وجود علاقة بين الاسم والمسمّى ولو ثبت ما قاله أهل التوقيف
لاهتدى كلّ إنسان إلى كل لغة ،ولما صحَّ وضع اللفظين للضدّين ؛كالجون للأبيض والأسود (6) .
من أبرز القائلين بالتوقيف من علماء المسلمين ابن فارس في كتابه الصاحبي ، أما من علماء اللغة في العصر الحديث ،الذين اعتقدوا في إلهامية اللغة ؛ الأب الفرنسي لامي والفيلسوف الفرنسي دو بونالد .



ثانياً : الاصطلاح والمواضعة
يرى أصحاب هذا أن اللغة استحدثت بالتواضع والاتفاق ، صاحب هذا الرأي الفيلسوف اليوناني ديموقريطس الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد ،وقد ذهب مذهبه كوندياك وآدم سمث وريد ، اتفق معه من علماء العرب القدماء أهل الاصطلاح فقالوا : كان يجتمع بعض الحكماء (7) فيحتاجون إلى الإبانة عن الأشياء المعلومة ،فيضعوا لكلِّ واحد سمة ولفظاً إذا ذُكر عُرف به ما سمّاه ليمتاز به عن غيره ،فكأنّهم جاءوا إلى واحد من بني آدم فأومأوا إليه وقالوا إنسان ..إنسان ، فأي وقت سُمع هذا اللفظ ،عُلم أن المراد به هذا الضرب من المخلوقات .
تصدّى لهم أهل التوقيف فقالوا :لو أن اللغة كانت اصطلاحاً لاحتاج المصطلحون إلى لغة يعبِّرون بها
ولابدَّ من التوقيف في أصل اللغة الواحدة لاستحالة وقوع الاصطلاح على أوّل اللغات من غير معرفة المصطلحين بعين ما اصطلحوا عليه .
بين أهل الاصطلاح وأهل التوقيف من علماء المسلمين ظهر فريق ثالث اتخذ موقف وسطا فقال : إن اللغة توقيفيّة ،وهي بعد ذلك اصطلاحيّة في كل ما يستجدُّ من حياة البشر ، حيث كانت اللغة الأُولى مكتملة (9) ولكنّها أقل عدداً في مخزون الألفاظ من لغات اليوم ،لأنها كانت تتكوّن من كلمات تمثّل جذور اللغات الحاليّة ،ولمّا احتاج الإنسان إلى مزيد من الكلمات لتسمية الموضوعات والمكتشفات والأحوال الجديدة انبثق من تلك الجذور ما احتاج إليه من الكلام .



ثالثا: التقليد والمحاكاة
قال بعض العلماء إن أصل اللغات هو أصوات مسموعة سمعها الإنسان الأوّل وأخذ بتقليدها ، كدوي الريح وحنين الرعد وخرير الماء ونقيق الضفدع ونباح الكلب . صاحب هذا الرأي هو العلم العربي ابن جنّي ( 17) الذي قال : وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبَّل . هذه الأصوات سارت في الرقِّي والتقدُّم شيئا فشيئا تبعاً لرقِّي وسمو العمليات العقليّة الإنسانيّة والتقدُّم الحضاري . وقد أيّد هذه النظريّة العالم اللغوي الأمريكي وتني ، ويرى الدكتور علي عبد الواحد (10) إن هذه النظرية الأقرب إلى المعقول وأكثرها اتفاقاً مع طبيعة



الأمور وسنن النشوء والارتقاء . ويقول في ذلك الدكتور إبراهيم أنيس (11) : " نمت قوّة السمع عند الإنسان قبل قوّة النّطق ، فسمع الأصوات الطبيعيّة حوله ولكنَّه لم يقلِّدها في هذه المرحلة لأن هذا يفترض له حينئذ قدرة عقليّة لم يستطع المحدثون أن يتصوَّروها للإنسان في هذه المرحلة " .
مع أن ابن جنِّي صاحب نظريّة الأصوات المسموعة إلا أنه لم يحسم الأمر في نشأة اللغة بشكل واضح ، فهو تارة يقول أن اللغة تواضع واصطلاح، وتارة أخرى يميل إلى التّوقيف (12) " فلا بدّ أن يكون وقع في أوَّل الأمر بعضها ثم احتيج فيما بعد إلى الزيادة عليه لحضور الداعي إليه فيزيد فيها شيئاً فشيئا ،إلا أنه على قياس ما كان سبق منها في حروفه وتأليف إعرابه ،وليس أحد من العرب الفصحاء إلا يقول : إنه يحكي كلام أبيه وسلفه يتوارثونه عن أوَّل وتابع عن مُتبّع ".
من الألفاظ الدالّة على الصوت ؛القهقهة والنحنحة والدندنة والشخير .ومن صوت الأشياء ؛القرقرة ، وهو صوت الآنية إذا خرج منها الماء ،والشَّخب ،وهو صوت اللبن عند حلبه .ومن الأصوات الدّالة على الأفعال ؛القطف والقضم والقطم والكسر .
يرى المعترضون على هذه النظرية أنها لا تشمل إلا قدر ضئيل من الكلمات التي لها علاقة في الصوت .
رابعاً : النظريّات الحديثة




لم يتوقّف البحث في أصل اللغة ونشأتها ، فظهرت في القرن التاسع عشر الميلاد نظريات جديدة منها:


1 ــ الغريزة الكلاميّة :
يرى أصحاب هذه النظرية أن أصل اللغة يرجع إلى غريزة خاصّة تحمل الإنسان على التعبير عن الانفعالات أو الأشياء بكلمة خاصّة وبصورة عفويّة . من أصحاب هذه النظريّة العالم الفرنسي فندريس والألماني مكس مولر والفرنسي رينان .
2 ــ يرى بعض العلماء أن اللغة بدأت بالشهقات أو التأوّهات (13) التي تصدر عن الإنسان في حالة الحزن أو الفرح أو الدهشة ،مستندين على نظريّة دارون التي تقول بتطوّر الكائنات الحيّة .بينما يرى المعترضون أن هذه الأصوات تتم بصورة فجائيّة بعيدة عن الكلام .
3 ــ ويرجِع بعضهم نشأة اللغة كانت من خلال عمل جماعي للأفراد أثناء قيامهم بعمل شاق تعاونوا على أدائه ،فهم يرون أن الإنسان يجد الراحة أثناء قيامه بعمل شاق إذا تنفّس أو تنهّد من الأعماق ،وربما تصدر عنهم أصوات أثناء العمل ترتبط بالعمل نفسه وتصبح فيما بعد دالّة عليه فينطقون بها كلّما تكرر هذا العمل .




4 ــ النظريّة الحديثة :
درس أصحاب هذه النظريّة مختلف النظريّات السابقة،فدوّنوا الملاحظات والخبرات والتجارب وأقاموا نظريّتهم الجديدة وقسّموها إلى ثلاثة أُسس هي؛ دراسة مراحل نمو اللغة عند الطفل ،ودراسة اللغة في الأُمم البدائيّة ودراسة تاريخيّة للتطوّر اللغوي .
نلاحظ أن النظريّات الثلاث الأوُلى تقوم على طريقة الاستنباط ،بينما تقوم النظرية الحديثة على الطريقة الاستقرائيّة .



خلاصة :
اختلف العلماء عبر العصور في تحديد نشأة اللغة وأصل الكلام ،مما أدى إلى ظهور عدة نظريات ،وما من نظريّة إلا ولها معترضون يحاججون الطرف الآخر بالحجة والبرهان ،ولعلّ هذا الاختلاف ناتج عن تأخر أول نظريّة تتحدّث عن في نشأة اللغة عند الإنسان الأول ،وما هذه النظريّات إلا اجتهادات تفتقر إلى الأدلّة الموضوعيّة ، ولذلك نقول للّذين يقولون بتواضع اللغة واصطلاحها في تسمية الأشياء دون أيِّ علاقة بين منطقيّة بين الشيء واسمه ،لابد من وجود لغة عندهم يستخدمونها ، فبأيّ لغة كانوا يتواضعون !؟
أما اللذين يقولون بالتوقيف والإلهام فنقول لهم : كيف يتعلّم الإنسان ألفاظاً ولا يتعرّف مدلولاتها !؟

وحتى نظريّة الأصوات المسموعة لم تنطبق على كلّ الألفاظ والمفردات .
لذلك لا بدّ من تداخل كل النظريّات التي تبحث في اللغة ونشأتها لنخرج بنظريّة واحدة ،لأن اللغة نتاج تفاعل الإنسان صاحب الفطنة والذكاء ، صاحب الغرائز والحاجات ، فلم ينفصل الإنسان عن الطبيعة ، فقد عرفها وتعامل معها في مأكله ومشربه وملبسه ،عاش فصول السنة وراقب الظواهر والتقلّبات الجويّة والطبيعيّة ، سمع الأصوات فحاكاها وهذه هي البداية ،ولأنّه كان يعيش ضمن الجماعة فلابدّ أن يكون هناك علاقات اجتماعيّة لا يمكن أن تتفاعل إلا بالتواصل من خلال الصوت أو الصراخ أو الإشارة للتعبير عن الحالات النفسيّة كالفرح والحزن والدهشة ،كما ذكر الدكتور إبراهيم أنيس. هذه العلاقة ساهمت في نموّ لغته عبر العصور وتناقلتها الأجيال بينها وأضافت ما يمكن إضافته من مدلولات صوتيّة ،ومع اشتداد الحاجة بدأ الإنسان صاحب الذّكاء يفكِّر باستخدام اللغة والعمل على توسُّعها .

/ لغة الكلام /








إن من أعظم النعم التي خص الله تعالى بها الإنسان وميزة على الحيوان هي قدرته على تعلم اللغة لغة الكلام 0 فاللغة هي أداة الإنسان الرئيسية في التفكير واكتساب المعرفة وتحصيل العلوم 0 فاللغة باعتبارها رموزا للمفاهيم ، قد مكنت الإنسان من تناول جميع المفاهيم في تفكيره بطريقة رمزية 00 مما ساعده على أن يحقق ما حققه من تقدم هائل في اكتساب المعرفة وتحصيل العلوم والصناعات المختلفة0

ومن فضل الله تعالى على الإنسان أن زوده باستعداد فطري للتعلم واكتساب المعرفة والعلوم والمهارات والصناعات بالإضافة إلى نعمة الإدراك الحسي والتفكير مما يزيد من قدرته على تحمل مسئولية الحياة على الأرض وعمارتها، ومما يمكنه من تنمية قدراته مما يكفل له بلوغ ما شاء الله تعالى له من الكمال الإنساني 0


ويكتسب الإنسان العلم أو المعرفة من مصدرين رئيسيين :-


(1)
مصدر الهي :

وهو العلم الذي يأتينا من الله سبحانه وتعالى مباشرة عن طريق الوحي أو الإلهام أو الرؤيا الصادقة 0

(2)
مصدر بشري :

وهو ذلك النوع من العلم الذي يتعلمه الإنسان من خبراته الشخصية في الحياة ومن مجهوده الخاص في الاستطلاع والملاحظة ومحاولة حل ما يجابهه من مشكلات عن طريق المحاولة والخطأ أو عن طريق التربية والتعلم من والديه ومن المؤسسات التعليمية أو عن طريق البحث العلمي .

وهذان النوعان من العلم متكاملان 000 ويرجعان أساسا إلى الله سبحانه وتعالى الذي خلق الإنسان وأمده بأجهزة وأدوات للإدراك واكتساب العلم 0

ولما كانت للغه - وهي الأداة الرئيسية في التفكير واكتساب المعرفة - هذا القدر العظيم من الأهمية في حياة الإنسان ، وفي تمكينه من التقدم المستمر في تعلمه وتفكيره ، فقد كان أول شيء علمه الله تعالى لآدم عليه السلام هو أسماء جميع الأشياء 0


" وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين * قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا انك أنت العليم الحكيم * قال يأدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم اقل لكم إنى أعلم غيب السماوات والأرض واعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون " (البقرة 31-22)

ومن ذلك نفهم من قوله تعالى " وعلم آدم الأسماء كلها " انه علمه اللغة التي يسمى بها الأشياء كلها 000 أي علمه الأسماء التي ترمز إلى مفاهيم 0

ويتعلم الإنسان في الحياة بطرق مختلفة000 فقد يتعلم من طريق التقليد ، فالطفل عادة يقلد والديه ويتعلم منهما كثيرا من العادات وأنماط السلوك ... ويتعلم الإنسان أيضا عن طريق التجربة العملية أو المحاولة والخطأ ،كثيرا من الحلول المفيدة لمشكلات حياته ومما ينفعه في أمور معاشه وقد يتعلم الإنسان أيضا عن طريق التفكير والاستدلال العقلي 0

فحينما يفكر الإنسان في حل مشكلة معينة فانه يقوم في الواقع بنوع من المحاولة والخطأ ذهنيا 000 فهو يستعرض في ذهنه الحلول المختلفة للمشكلة ، ويرفض الحلول الخاطئة أو غير الملائمة ، ثم يختار الحل الذي يراه ملائما وصحيحا0 فعن طريق التفكير يتعلم الإنسان حلولا جديدة لمشكلاته ، ويكتشف علاقات بين الأشياء والاحداث000 ويستنبط مبادئ ونظريات جديدة 0

والمناقشة والحوار واستشارة أهل الرأي من العوامل التي تساعد على توضيح التفكير، مما يؤدي إلى الاهتداء إلى الحق ، والوصول إلى حلول سليمة للمشكلات التي تبحث ... وقد حث القرآن على الشورى ، ونوه بفضل المؤمنين الذي يتشاورن في أمورهم بغية الوصول إلى الحق وتحقيق العدل في المجتمع 0 قال تعالى: "
وشاورهم في الأمر "

(ال عمران :159)

ولذلك فان المناقشة والحوار من العوامل الهامة في الفكر للوصول إلى الحلول السليمة للمشكلات 000 كذلك فإنها من العوامل الهامة في التعلم وصقل الفكر الانساني0

كما أن الحوار بين الناس يزيل الحدود بينهم ويمنع الجفاء ويخلق جو من الود والإتلاف ويقرب بين وجهات النظر0

وبدون الحوار والتفاهم يحدث نوع من أنواع الانعزال مما يخلق حالة من القلق والشك والريبة ،تنتهي بالبغضاء والكراهية التي تؤدي إلى الكثير من الأمراض النفسية0

ولذلك فإننى دائما ما افضل ان تكون الندوات والمحاضرات التي تلقي على الشباب عبارة عن ندوات حوار مفتوح بين المحاضر والمتلقي حتى يحصل التجاوب الانفعالي الذي يخلق جو من الألفة التي تؤدي إلى توصيل المعلومات بطريقة محببة للنفس وغير مباشرة بدلا من إلقاء المحاضرة عن طريق الوعظ والإرشاد الذي ينفر منه الشباب0